عبد الباري عطوان من عامل من أجل أسرته الى رجل تسلط عليه الأضواء (القصة الكاملة)
عندما يأتي رئيس دولتك لالقاء كلمة له قد تجد الشعب من حولك مقسم الى ثلاثة أقسام ،فقسم مهتم وتراه امام التلفاز من اول كلمة الرئيس الى اخرها واخر شاهد او ل كلمتين وغادر المكان وبعد ذلك اخذ الخطاب ملخصا واخر لم يهتم ابدا بما قاله الرئيس ولا كانو في دولته رئيس ، وقد يكون هناك شخصية من الشخصيات السياسية الكبيرة المسموع لها في العالم وعندما تظهر لالقاء كلمة او تظهر في لقاء او تكتب مقالة فانك تجد المهتمين والمثقفين بل قل كافة انواع الشعب امام التلفاز تسمع له وقد تخلى شوارع بعض المدن من المشاة وكانهم يتابعون مباراة قمة بين فريقين عظيمين في دولتك لكن الحقيقة ان الجميع يتابع ما يقوله هذا المحلل السياسي ، وحديثي اليوم الذي هو سلسلة من الشخصيات المهمة اسردها هنا في مقالة واليوم اتكلم عن عبدالباري عطوان رئيس تحرير جريدة القدس العربي ليس مسؤول وليس وزير ولا رئيس دولة ولا مسؤول حزب هذا الرجل ماهو الامواطن فلسطيني لاجئ لمع نجمه من علمه العزير وتفوقه الباهر خبئ له القدر اشياء كثيرة ولعله لم يكن يحلم يوما انه سيكون هكذا لكن طموح هذا الرجل والاحتلال من حوله زرع في نفسه شخصية لامعة ، احد اعضاء المجلس الثوري لحركة فتح واحد رجال منظمة التحرير الوطني الفلسطيني وبعد اتفاقية اوسلو كان انفصال عبدالباري عن اداء المنظمة ولعل تلك الاتفاقيات التي كانت سببا في نظره في ضياع حقوق للشعب الفلسطيني ونظرته لنفسه بانه من احد حقوق الشعب الفلسطيني وهو ان يرجع لوطنه هو نقطة الخلاف وخوفه وكلامه المهاجم دائما لرجالات فتح ولقيادتها ، يكفي عبدالباري انه مواطن فلسطيني فمعنى مواطن فلسطيني اي انه يحتاج لحقوقه ويحتاج لتحرير وطنه وموطنه ويرى شعبه وموطنه محررا اسوة بالدول من حوله ، يكره من يضيعون الشعب وحقوقه ودولته ، نريد ان نعرف من عبدالباري عطوان وهو عمل بسيط اقدمه لكم وتقديرا لهذا الرجل ، فلنبدا بما قاله بنفسه عن حياته :
ذاكرة مليئة بالحكايا والقصص، لطفل اسمه عبد الباري عطوان، ولد بخيمة في شهر شباط (فبراير) عام 1950 في دير البلح الصغيرة والجميلة القابعة علي البحر المتوسط، بين نخيل شامخ وباسق، نخيل علمه الشموخ ورفع رأسه عاليا، عاش طفولة بائسة وفقيرة لكنها في رأيه متميزة وعادلة، حيث الجميع متساوون في الجوع والمعاناة والانيميا، ملابسه وملابس سواه في المخيم مما كانت توزعه وكالة الغوث، والمدرسة التي التحق بها وأقرانه هي ذاتها، ولأنه ـ كما يقول ـ ابن مخيم كان لزاما عليه ان يقاتل كل شيء، حتي الوطاويط علي حبة البلح، كان يجري ورفاق الطفولة وراء عصفور محاولين امساكه، ويركضون وراء الصيادين لاختطاف سمكة منهم.
ضمن ثقافة تدعي ثقافة المخيم عاش الناس ذات المحن وذات الظروف، وكأن جمهورية المخيم كانت مثل جمهورية أفلاطون لكن في الفقر وفي الجوع والمرض وأكل السردين باعتبار انه الارخص، والتمر الذي توزعه وكالة الغوث، وبقدر ما تركت أثرها فيه، فقد علمته المثابرة والكفاح من أجل لقمة العيش، لكنها خلفت في اعماقه عقدة الخوف من المستقبل والجوع، في ظل غياب خيارات العمل.
من بلدة علي البحر المتوسط تدعي سدود أو أشدود والتي يقال عنها انها كانت اقدم ميناء في التاريخ، نزح اهله كما بقية الفلسطينيين بعد حرب 1948 باتجاه دير البلح، تحت تهديد سلاح الجنود الاسرائيليين، حاملين معهم القليل القليل علي امل العودة التي لم تتحقق، فكبر سؤال داخله: كيف لاناس آمنين وبسطاء الي حد السذاجة ان يعاملوا بتلك الطريقة الوحشية والبشعة .
أب وأم وسبعة ذكور وثلاث اناث كلهم عاشوا في خيمة، ولو ان والده لم يمت وعمره 42 عاما لكان عددهم 20 الي 25 ولدا، حيث الطموح آنذاك كان الانجاب.
كانت عيون أبي زايغة، ويبدو انه كان حاطط عينو علي أرملة، وعندو مشروع زواج منها، كنت أشوفو دائما يصيبه الحبور والانبساط عندما تمر، وقد تعطرت اكثر من اللازم، صحيح كان عمري 14 عاما لكني فهمت ان والدي عاشق، الا ان القدر لم يمهله، كان ابي يحبني كثيرا لانني كنت متفوقا في الدراسة، لكنه في الوقت نفسه كان يضربني كثيرا لانني كنت متمردا وعنيدا وارفض بعض قراراته وأجادله فيها، وعلي ذمة والدتي انه كان يقول لها اذا بينفع في اولادك واحد فهو عبد الباري، ولأنني الاوسط كنت احظي بالضرب بينما الكبير والصغير يحظيان الدلال، لكن يبدو ان الضرب أثمر بدليل انني وصلت الي ما انا عليه اليوم ، ثم غرق محدثي في ضحكة عميقة وكأنه استعاد كل المواقف، فنهضت ذاكرته حية من جديد، واسترسل في الكلام المباح.
والدة عبدالباري عطوان :
للحديث عن الام شجون خاصة، فهي شمعة العائلة وزينة الدار، جهة القلب وتاج الرأس، تتعب.. تسهر.. تعد ايام عمرها من خلال عمر أولادها: كان علي امي تربية عشرة اولاد في ظل غياب أبي الذي تركها في عز صباها، في ثلاثينيات عمرها، عانت كثيراً من أجلنا، كانت امي خفيفة الظل ولانها تتقبل المزاح كنت أناديها باسمها وتحببا يا ظريفة أمي امرأة عظيمة ككل النساء العظيمات، وانسانة ذات قدر كبير، تحملت التعب وشظف العيش، عاشت في المعسكر وماتت فيه، لم تكن تجربتها سهلة لهذا لم تستمتع بحياتها، ورغم اننا حاولنا توفير اجواء الراحة لها الا ان هذا جاء متأخرا، كان علي امي ان توزع الحب والحنان علي عشرة اولاد، كل واحد ينتظر دوره ليحظي ببعض من هذا الحب وذاك الحنان، امي مثل اي ام فلسطينية رائعة تغسل وتطبخ وترعي عشرة اولاد، والمعيل الوحيد بعد وفاة ابي هو اخي الذي كان قد تعاقد للعمل بالتدريس في السعودية، أذكر ان امي ربت الحمام والدجاج وجلبت الماعز لتوفر لنا الجبن واللبن، كنا نتقاسم زغلول الحمام وورك الدجاجة، حقا لعبت دورا كبيرا في حياتنا وكانت تعمل من لا شيء شيئا وتحاول تغذيتنا بشتي الطرق والوسائل، حيث لم يكن بمقدورها شراء اللحم من السوق . كانت الاحذية بالنسبة لنا كأطفال مجرد قيد، ليس لاننا نملكها ولا نريد انتعالها، بل لان اقدامنا لم تعتد عليها، ولم نكن نملك نقودا لشرائها، انا مثلا لم البس حذاء الا عندما اصبح عمري ست سنوات، ليس لانني كبرت، بل لان قانون المدرسة فرض علي الطلبة عدم الذهاب اليها حفاة، كنت قد ورثت حذاء عن اخي الاكبر الذي اخذه من الاونروا التي كانت تعطي احيانا مع الملابس احذية، بقي هذا الحذاء مدة طويلة ربما لجودته، أو لان مهمته كانت محصورة بانتعاله اثناء الاصطفاف في الطابور فقط، بعدها اخلعه واضعه في الحقيبة، كلما صغر الحذاء علي قدمي أحدنا ينتقل بشكل اتوماتيكي الي الاخر، لكن بشكل عام تسطحت اقدامنا بسبب السير حفاة، وبسبب الحذاء الضيق .
بداية وعي عبدالباري وفهمه للحياة :
اعطيات الاونروا كانت مثل هدية ثمينة، فيها يجد ابناء المخيمات فرصة لستر اجسادهم النحيلة، كانت هذه الاعطيات رغم عيوبها تفرح اي طفل او اي شاب او رجل، لانها غالبا غير مناسبة ومضحكة، ومن الممكن ان يرتدي رجل سترة نسائية او قيمصا نسائيا دون ان يعرف ذلك، المهم عنده ان يحمي جسده من البرد.
وبين كوميدية المواقف وتراجيديتها كان ينتقل بسرعة من خلال حركات وجهه ويديه او بقهقهة وربما بابتسامة ساخرة:
كنا مساكين فقراء، نرضي بان تتحول اكياس الطحين التي كتب عليها هدية من الشعب الامريكي ليس للبيع او المبادلة الي شراويل لتأتي الكتابة والحبور بهدايا لم يكن هناك بديل عنها، آنذاك لم تكن عند اي واحد منا نزعة عداء تجاه الامريكان فالموقف الامريكي عام 1956 من أزمة السويس كان جيدا، ذا اجبر الاسرائيليين علي الانسحاب من قطاع غزة الذي انتمي اليه، بل كان العداء لبريطانا وفرنسا، اي للدول التي استعمرتنا وساعدت في تشريدنا، كما ان للانروا فضلا علينا لانها كانت تقدم لنا شهريا الزيت والسكر والتمور والاجبان، وتعمل لنا تغذية اضافية، فنختار ضعاف البني من الاطفال والذين يعانون من الانيميا ونوفر لهم وجبة يومية اثناء الدراسة، ولانني كنت ضعيف البنية كنت ضيفا مزمنا علي هذه التغذية البيتية، وفقر أب يعاني من قرحة معدة توفي بسببها .
سن الثانية عشرة كانت جيدة لبدء تلمس الوعي السياسي، فشقيقه الاكبر كان مدمن قراءة الجرائد والمجلات القديمة التي يشتريها ويأتي بها الي البيت، لتتوافر لعبد الباري فرصة القراءة، بدءا من موضوعات الفن والفنانين مثل كل الناس، مرورا بقراءة التحقيقات السياسية، وانتهاء بعيون الادب العالمي المترجمة مثل البؤساء لفيكتور هيغو و العجوز والبحر لهمينغواي و الجريمة والعقاب لدوستويفسكي التي كانت معقدة بالنسبة له وهو في سن الخامسة عشرة، فقد عاني من اجل فهمها واكمالها، ومن ثم التفاخر امام اصحابه بأنه اكملها.
عبدالباري عطوان مغتربا بداية غربته عمان :
عام 1967 عندما اندلعت الحرب فضلت له عائلته مغادرة فلسطين متوجها نحو الاردن لمتابعة دراسته واعالتها بعد حصوله علي وظيفة، فعائلته لا تريد ان تخسره، ولا تريد ان يكون ابنها جزءا من تاريخ ربما يعاد ثانية، أي حينما احتلت اسرائيل قطاع غزة وقامت بعملية تصفية الذكور من سن السابعة عشرة الي سن الخمسين كي لا يصبحوا فدائيين، وهكذا ترك أهله ووطنه، وصورة كانت عالقة في ذاكرته عن ابنة الجيران التي أحبها بداية مراهقته اي عندما كان عمره حوالي 14 عاما، صبية في عمره ليست جميلة وقصيرة القامة، فالحب اعمي كما يقول، الا انه فشل في لفت نظرها، رغم انه حاول مغازلتها ومحادثتها وكتابة الشعر لها.
ذهب اهلي الي الاسكافي وطلبوا منه وضع 30 جنيها في نعل حذائي، ثم رافقني عمي الي موقف الباص لاذهب الي عالم مجهول مخيف ليس لي فيه اصحاب واقرباء، المهم وصلت الي عمان ونزلت في الفندق العربي الذي يمتلكه سوري قومي، تعاطف معي واعطاني سريرا علي السطح بسعر زهيد، عندما نمت ربطت قدمي بالسرير لان امي اوصتني الا اسكن في ابنية عالية كي لا امشي اثناء النوم وأقع، لاني كنت اعاني من هذه المشكلة، ورغم انني جئت من اجل اكمال دراستي الا انني لم التحق بالجامعة لان التعليم فيها مكلف، فاضطررت للعمل بعد ثلاثة ايام من وصولي في الشركة العربية للمعلبات، وتقاضيت من أول مهنة في حياتي 30 فلسا في اليوم، كما كنت اكسب عشرة فلوس اخري اذا عملت ساعات اضافية، لاعيش واشتري بعض المجلات والكتب مثل الاسبوع العربي و الحوادث و الطليعة و الكاتب من سوق السيل الشعبي، وارسل لاهلي مصروفا، في حين كنت احرص يوم الجمعة علي دخول السينما، والاستمتاع بوجبة في مطعم شعبي اسمه الهنيمي، بوجبة الكفتة بالطحينة الدسمة جدا، والرخيصة ايضا ربما لانها مصنوعة من الكرشة والامعاء .
في عمان رأي ان ابناء المخيم فيها اكثر رقيا من ابناء مخيمات فلسطين، حيث بامكانهم الحصول علي فرص عمل في عاصمة مزدهرة، في حين ان امثاله القادمين من مخيمات فلسطين يعيشون الظروف الاسوأ، كان يري كمراهق ان بنات مخيم عمان أنظف، واكثر اشراقا، خدودهن متوردة، يلبسن البنطال ونصف الكم، وبلوزات ضيقة ويبرزن مفاتنهن، وهذا ما لم يعتد عليه بين بنات مخيم دير البلح المسكينات اللاتي يعانين من الانيميا، فالفوارق الطبقية كانت موجودة وفاضحة بين الفلسطينيين، لهذا لم يفكر حتي بالنظر الي فتاة من طبقة تختلف عنه، ورغم انه اليوم رئيس تحرير صحيفة الا ان ابناء الطبقة الغنية من الفلسطينيين لا تعترف به كما يشير، صحيح انهم يجاملونه، لكنهم وكما يشعر يصفونه بالفلاح واللاجئ، وهو في المقابل يتساءل من هؤلاء الاغنياء حتي يكونوا افضل منه.
وفي السنة الثانية من وجوده في عمان عمل سائقاً في أمانة العاصمة، حيث لم يتخيل يوماً أن يبقي مجرد عامل، كان مستمتعاً كمراهق في عمله الذي أشعره أنه أصبح محط اهتمام بنات الجيران، لدرجة أن واحدة منهن حاكت له بلوفر صوف مكتشفاً فيما بعد أنها حاكت خصلة من شعرها مع الخيوط، ورغم أنه أصبح بالنسبة للفتيات مشروع عريس إلا أنه قاوم المغريات وما أكثرها.
طريقه الى مصر :
وصل شقيقه الأكبر خريج جامعة المنوفية قسم الهندسة الزراعية إلي عمان قبل أن يسافر إلي السعودية التي تعاقد فيها للعمل في نجران التي كانت بدائية جداً، محتملاً الحياة الصعبة والظروف القاسية من أجل أهله، مضحياً بجماله ووسامته، علماً أنه كان محباً للحياة والرقص والدبكة والتدخين، فحبه للحياة جعله يرفض الزواج إلي أن توفي.. ولأنه مؤمن بي بشكل غير عادي، فقط طلب مني إكمال تعليمه وتحقيق طموحه في مصر، فسافرت إليها عام 1969. عملت لجوءاً إنسانياً عند ابن خالتي في الاسكندرية، حاملاً معي كمية من الارز والسكر، وحصلت علي البكالوريا من مدرسة العروة الوثقي التي أسسها جمال الدين الأفغاني، فيها عشت أجمل أيامي الدراسية، حيث أعفيت من طابور الصباح لأنني فلسطيني، كما كلفت في كل مناسبة وطنية بكلمة فلسطين علي أساس أنني المناضل الكبير عبد الباري عطوان ، وانا متأكد انها لم تكن كتابتي عظيمة، لكن المقاومة كانت في اوجها، كل ما اذكره انهم كانوا يصفقون لي كثيرا، ويجلسونني في الصف الاول، ثم التحقت بكلية الاداب في القاهرة قسم الصحافة متحديا رغبة اهلي ومحيطي، الذين رأوا انه لا جدوي من دراستي في ظل غياب الدولة الفلسطينية والصحافة الفلسطينية والعربية، لم استسلم لانني شعرت ان الصحافة هي الوحيدة التي تكسر الفوارق الطبقية، وان هذه المهنة هي نافذتي، والصحافي هو الوحيد الذي باستطاعته مقابلة الشخصيات الكبيرة مثل الوزراء والرؤساء والملوك، معتبرا ان في داخلي امورا كثيرة يجب الا تموت، بل لا بد ان اعبر عنها .
الناس ايامها كانوا يخافون من كلمة صحافة لانها برأيهم مرتبطة بالسياسة والانظمة والقمع والاعتقال والموت، كان اهله خائفين الا يجد ابنهم عملا، وكي يبدد هذا الخوف ويضمن مستقبله انتسب الي جانب قسم الصحافة للجامعة الامريكية بالقاهرة لدراسة الترجمة، كماحصل علي رخصة قيادة، لم يكن يريد يوما ان يبدو امام من تحداهم فاشلا في حال لم يجد فرصة في الصحافة، كما انه حرص منذ البدايات ان يكون صحافيا مستقلا، فرفض عرض مسؤول اتحاد الطلبة العمل في الاذاعة الفلسطينية، حين كانت فتح اقوي التنظيمات وتمتلك امكانيات كبيرة ومالا كثيرا، ورفض لانهم كانوا يريدون تجنيده وتنظيمه وهو لا يريد، رغم حاجته الماسة للمال.
كنت افضل البقاء انسانا حرا، لست منتميا الي اي تنظيم او فصيل، وهذا ما انا عليه الان، صحيح انني عضو مجلس وطني فلسطيني مستقل، لكني والله لم اترشح ولم اختر ذلك بل قرأت اسمي في الصحافة ككل الناس بعد ان اخبرني مراسلنا في عمان عام 1989. وبشكل عام كنت اقرب للجبهة الشعبية فكرياً ببعدها الأممي، من فتح المعتدلة ذات البعد الاقليمي، بل اقرب للتطرف، فأين يكون تطرف انا معه، والي الان ما زلت كذلك لهذا انخرب بيتي .
الرحلة الي مصر ام الدنيا بالنسبة له نهاية الستينات وبداية السبعينات كانت بمثابة انعتاق، وعودة للسياق الطبيعي اي للمهمة التي خرج من اجلها من فلسطين، اما القاهرة فهي الوعد الجديد بالثقافة والحلم بالعلم وحمل شهادة جامعية للارتقاء بنفسه وبعائلته، وهذا ما حدث. خرج من مصر بشهادتين، واحدة في الترجمة والاخري في الصحافة، كما اكتسب مخزونا كبيرا من الثقافة، فقرأ واطلع وتابع المسرح الخاص والعام، وتعرف الي اصدارات الاهرام و الاخبار ودار المعارف الشهرية من الكتب.
اذكر انني في اخر سنة صحافة، كان عندي تدريب في دار الهلال في مجلة المصور ، فسألني المشرف عن الاماكن التي احب التدرب فيها فأجبته انني اريد القسم الفني، قال لي يا راجل انت فلسطيني وعيب تكون محررا فنيا بل سياسيا، اجبته: لاني سأكون مستقبلا في القسم السياسي، لهذا اجد ان هذه فرصتي الوحيدة للتعرف علي هذا العالم، وهذا ما كان، ايامها كانت ليلي حمادة وصفية العمري وهاني شاكر ونيللي، وعملت عنهم مواد صحافية فأخذها مشرف اسمه ممدوح ابو زيد ونشرها باسمه بعد اجراء بعض التعديلات، لانه يوجد في مصر ديكتاتورية الاسماء، وبيروقراطية غير عادية، فاسم رئيس التحرير ينزل ببونط 16 مثلا، واسم نائبه ببونط 14، والصحافي الجديد بونط 9 .
بداية كتابته ( الكاتب الكبير) :
اكمل دراسته، وانتهت اقامته، كما انتهي ايجار الشقة، وكان لزاما عليه ان يغادر القاهرة، فقد طلب منه الرحيل لانه كان مشاغبا ويكتب ضد النظام وضد السادات ايام المد الثوري في الجامعة وتحديدا سنة الضباب، ومن رموز الحركة الطلابية آنذاك، محي الدين الصباحي. لم تكن امامه خيارات كثيرة، الي ان جاءته فرصة ايصال سيارة الي ليبيا وتحديدا الي طرابلس شرط ان يقودها بما انه سائق محترف، حين وصل مع صاحب السيارة الذي اعطاه 10 دنانير شفقة، توجه الي اوتيل يعمل بنظام الدور، بحيث ينام سبع ساعات فقط، ليأتي غيره وينام علي الفراش نفسه سبع ساعات وهكذا. تقدم للعمل في الصحافة الليبية فلم يقبل لان كل السياسيين العرب هناك صاروا صحافيين، لدرجة تحولت معها الصحافة هناك الي صحافة مقالات. مرة اخري عمل لجوءا انسانيا عند ابن عمه في غريان التي تبعد 90 كم عن طرابلس، فعرفه علي صديق يعمل في جريدة البلاغ التابلويد، طالبا منه كتابة مقالات مقابل مبلغ معين، حينها وجد عبد الباري في جريدة التايمز التي اشتراها من طرابلس معلومات عن تسليح امريكا لايران، فكتب مقالة هاجم فيها الشاه بعنوان ماذا تهدف امريكا من وراء تسليح شاه ايران ، وذهب ليسلمها الي الجريدة، لكن قيل له ان التعليمات تقضي بمنع الهجوم علي الزعامات الاسلامية، ترك الصحافي المبتديء انذاك المقال الذي كان فاتحة خير عليه وخرج غاضبا.
بعد يومين كانت الدنيا مقلوبة، بعد نشر المقال في صفحة كاملة من جريدة البلاغ والعنوان ببونط احمر كبير، وبعد ان نقل كل من التلفزيون والاذاعة ما جاء في مقالي، قائلين انه بقلم الكاتب الكبير عبد الباري عطوان، راجعت الجريدة لأعلم ان رئيس التحرير يبحث عني. حين قابلته طلب ان اختار بين العمل معه او مع صديقي عبد الرحمن شلقم وكان ايامها رئيس تحرير مجلة الوحدة العربية ، او مع جريدة الفجر الجديد وبرواتب عالية، وانا كعادتي اخترت الجريدة المغضوب عليها، اي البلاغ علي اساس انها التي اهتمت بمقالتي. بعد سنة كنت في زيارة اخي في جدة، وهناك حصلت علي فرصة عمل في جريدة المدينة ، لكن عندما تقدمت اليها قيل لي انهم لا يعترفون بالشهادات، بل يريدون محررا مترجما، واذكر ان سباعي عثمان هو من اختبرني. بعد اربعة ايام من الاختبار اوصي بتعييني علي اساس ان لغتي العربية والانكليزية جيدة، وما ان اصبحت وسباعي صديقين حتي اكتشفت انه لا يعرف الانكليزية، فسألته علي اي اساس قيّم عملي، اجابني: لغتك العربية ممتازة. بدا ضيف الحوار وكأنه استعاد الموقف بكامل تفاصيله وضحك متمتما .
عندما تغير رئيس تحرير المدينة حاول الحرس القديم التآمر علي الرئيس الجديد فتعاطف معه عبد الباري واظهر تعاونه، لانه وجد فيه الرجل العلمي والعملي والمهني. بعد شهرين اخبره انه يريد الذهاب الي الامارات التي كان يجدها افضل من السعودية فهي اكثر انفتاحا وراحة، لكن رئيس التحرير أبدي رغبته في بقائه معهم.
سألني حينها عن راتبي، لاخبره انني لم اتقاض اي مبلغ منذ ان عملت في الجريدة، فطلب مني تحديد المبلغ الذي اريده، ورغبت في مهلة لاسأل اخي الذي يتقاضي 700 ريال، فقال لي اطلب 1500 ريال وبدل سكن شهرين، وفي اسوأ الاحوال يعطوك الفا، عدت لرئيس التحرير وقلت له والله انا اقل من 1500 ما باخذ وكمان بدي شهرين بدل السكن، فأخبرني ان بامكاني مراجعة الشؤون الادارية في اليوم التالي لتوقيع العقد، وكاد يغمي علي حين وجدت الراتب 3000 ريال، وبدل سكن اربعة اشهر و500 ريال بدل مواصلات، مع احتساب المدة التي عملتها، عدت الي اخي ومعي حوالي 25000 ريال، فاشتريت له مكيفا وثلاجة وجهاز تلفزيون، صرت فيما بعد اعطيه راتبي بعد اقتطاع جزء منه، مصروف سيارتي المازدا الكحيانة .
جريدة القدس العربي :
مع الايام تحسن وضع الجريدة وزاد توزيعها ودخلها الاعلاني عشرة اضعاف، لكنه شعر انه زهقان لهذا صار يكتب بجرأة ليطاردوه ويتغير ايقاع حياته الرتيبة، من خلال عمود يومي سياسي استلمه بدلا عن زميل تعرض للمرض، اعجب القراء بكتابته وهكذا بقي صاحب العمود الجريء الذي عمل ضجة ايام كانت احداث لبنان مشتعلة والمقاومة في عزها. لم يخفف عطوان من جرأته وحدته حتي عندما وصل رئيس البرلمان اللبناني حسين الحسيني الي السعودية في زيارة رسمية، وقام الاخير بشتم المقاومة، حينها هاجمه في مقال اعتقد الناس من خلاله انه مدعوم ومحمي، وعلي هذا الاساس بامكانه الكتابة عما يريد، علما انه حينها لم يكن مقيما شرعيا في البلد. ذهبت الي لندن بعد تعاقدي مع الشرق الاوسط وحين وصل وزير الاعلام آنذاك محمد عبده يماني اليها طلب مقابلتي، فذهبت للقائه فقال لي احسن قرار سمعته في حياتي هو انك جئت الي لندن لانني كنت خائفا ان يطلب مني ترحيلك، ونحن نحب كتاباتك، نعم اعترف اليوم انني كنت مجنونا آنذاك اكتب بشكل غير مألوف في بلد محافظ .
واخيرا وصل عبد الباري في الثمانينات الي لندن، ذاك الصحافي الفلسطيني الذي اسس لنفسه حضورا في مصر وليبيا والسعودية، حاملا خوفه معه، من الاعتقال والبوليس، وخنق الحريات، ولم ينسحب هذا الخوف منه الا بعد حصوله علي الجنسية البريطانية، ليدرك حينها ان احدا لن يهدده بسحب جنسيته، ويطارده، او يعتقله دون سبب، وليتأكد انه اصبح مواطنا حرا.
بقيت في الشرق الاوسط الي ان ظهرت فكرة القدس العربي المشروع الفلسطيني، ايام كانت منظمة التحرير والانتفاضة في عزهما، وفترة اعلان الدولة الفلسطينية عام 1988، حيث قرر اصحاب جريدة القدس المحلي اصدار طبعة دولية واختياري لاكون رئيس تحرير لها، من هنا رأيت انه علي هذه الجريدة ان تكون قفزة اعلامية حقيقية، كما قررت من اليوم الاول ان تكون مختلفة، ليست جريدة نظام، بل جريدة العرب، بعد سنة دخل صدام حسين الي الكويت فأخذت موقفا معاكسا للغالبية الساحقة اي ضد امريكا والمشروع الامريكي الذي كنت اعرف انه سيدمر المنطقة العربية، في البداية امسكت العصا من منتصفها، وطالبت بوجود حل بين العراق والكويت، لكن عندما صدر قرار الجامعة العربية، ووصلت القوات الامريكية كتبت افتتاحية قلت فيها نحن نحب الكويت لكننا نحب العراق ايضا. وان القوات الامريكية جاءت لتحتل العراق وتهين الشعب العربي. ونحن في هذه الحالة ضد الخندق الامريكي .
بداية الخطر على جريدة القدس العربي من الانظمة :
بدأت معركة رئيس تحرير القدس العربي مع الأنظمة لأنه غرد خارج السرب، ولأنه كان دائماً مع المعسكر الخاسر، ففي قناعته أن 80% من الشارع العربي مع هذا المعسكر، ضد المعسكر الثاني الأثقل لأنه ضم دول الخليج حيث الثقل المادي، ومصر الثقل البشري الضخم والتاريخي وسورية الثقل الثوري، هذا المعسكر الذي أشعل الحرب ضده، وحطموه كما يقول، فكان أكثر من هوجم في الصحافة العربية الكويتية والمصرية، وهو علي قناعة أنه اتخذ الموقف الصحيح أي موقف الشارع العربي وأنه ظلم كثيراً، وإلي الآن ما زال متمسكاً بموقف الشارع، وما زال مظلوماً.
عبدالباري عطوان مع بن لادن :
في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1996، اتيحت لي الفرصة لاجراء لقاء مع الشيخ اسامة بن لادن في افغانستان. ترددت في البداية في قبول العرض لأن افغانستان في ذلك الوقت كانت تشهد حرباً اهلية طاحنة. ولكني عدت وقبلت وجري ابلاغي ان الرحلة ستكون عن طريق نيودلهي، ومنها الي جلال اباد. وبعد ان اجريت الترتيبات اللازمة جاء من يبلغني بأن الموقف خطير، وطالبان تزحف نحو جلال اباد واحوال الاخوان في افغانستان ليست علي ما يرام ولا بد من التأجيل.
لم اغضب كثيراً او احزن، فالشيخ اسامة بن لادن لم يكن علي شهرته الحالية، رغم انه كان متهما بترتيب هجوم علي قاعدة امريكية في الخبر بالمملكة العربية السعودية عن طريق شاحنة ملغومة، اسفر عن مقتل 19 جنديا امريكيا.
بعد اسبوعين جاء شخص من طرف بن لادن ليبلغني ان خط الرحلة سيكون عبر بيشاور هذه المرة.
ما شجعني علي قبول العرض ان الصحافي البريطاني الجريء روبرت فيسك سبقني الي لقاء الشيخ اسامة بن لادن، الأمر الذي اصابني بالارتياح والطمأنينة، وشكل لي حصانة امام بعض الجهات العربية وغير العربية.
اليوم نعيد نشر الحديث، مثلما نعيد نشر تجربة السفر الي افغانستان، ولكن مع ادخال اضافات عديدة، لم تنشر في المرة الأولي، بعضها طريف، وبعضها الآخر ينطوي علي معلومات جديدة. والهدف من اعادة النشر هو اطلاع القارئ علي حقيقة هذه الظاهرة، ظاهرة الافغان العرب، وكيف يفكر ابرز اقطابها الشيخ بن لادن. وما هي حقيقة مواقفه تجاه البلاد العربية، والولايات المتحدة الامريكية. فعندما نشرنا هذا الحديث في المرة الاولي لم تكن القدس العربي علي هذه الدرجة من الانتشار، كما ان الشيخ بن لادن لم يكن ايضاً علي هذه الدرجة من الشهرة، بحيث تحشد الولايات المتحدة سبع حاملات طائرات وآلاف الطائرات والقاذفات وتكون تحالفاً من دول صغري وعظمي لمواجهته.
كانت البداية في لندن، شخص ملتح يهمس في اذني بان الظرف بات مهيئا للسفر الي افغانستان ولقاء الشيخ اسامة بن لادن زعيم العرب الافغان، واكثر شخص يخشاه الامريكيون.
الامر يحتاج الي تفكير عميق، فافغانستان ليست آمنة، وحركة الطالبان نشطة، والبلاد في حالة من الفوضي المطلقة، ثم انني لست في بداية حياتي الصحافية، ابحث عن مجد مهني، او ترقية من رئيس التحرير، وزيادة في المرتب بالتالي.
ولانني اري الحياة، وليست الصحافة
المزيد